حسن الأمين

37

مستدركات أعيان الشيعة

بخدمته في البلاط . ثم قفل عائدا إلى طهران . ولكنه ما إن وصل إلى طهران حتى بلغه خبر بان « هدايت الله خان » حاكم « جيلان » من قبله قد خرج عليه . فجهز جيشا أرسله إلى « رشت » حيث كان يقيم ذلك الحاكم فحاصره فيها . ولكن الحاكم فر منها بان سلك المجرى الذي تنصرف منه المياه المستعملة إلى خارج المدينة . وتبعه أيضا جماعة من رجاله خارجين من نفس المجرى . ومن لم يتمكن منهم من الخروج سلم للجيش القاجاري . وانطلق « هدايت الله خان » مع رجاله الفارين من مرفا « أنزلي » على بحر قزوين . وأخذ يغير على مختلف النواحي المجاورة فيسطو وينهب ويخيف . وصعب على جيش « آقا محمد خان » تعقبه ، خصوصا أنه كان يضطر أحيانا إلى أن تكون تنقلاته في البحر ورجاله يجهلون قيادة السفن والملاحة . وحل فصل الشتاء وقطعت الثلوج الطريق بين طهران و « رشت » ، وطالت غيبة الجيش الغازي وأخباره مقطوعة عن « آقا محمد خان » . بعد ذلك عهد بقيادة جيش إلى أخيه « مصطفى قلي » وأرسله ينجد الجيش الأول . والتقى الجيشان في قرية « غازيان » من نواحي جيلان على شاطئ بحر قزوين ، ودارت بينهم وبين عصابة « هدايت الله خان » مناوشات صعبة ، إلى أن علقت مرة سفن كانت تحمل « هدايت الله خان » ورجالا له بقاع البحر ، وطغى عليهم موج هائل وكسر سفنهم وغرقوا جميعا . وبعد بضعة أيام لفظت الأمواج جثثهم على الساحل ، وفيها جثة « هدايت الله خان » . فالتقط الناس تلك الجثث وحملوها إلى المقبرة فدفنت . وأوصل « مصطفى قلي خان » خبر موت « هدايت الله خان » إلى أخيه « آقا محمد خان » في طهران . وبذلك انقطعت فتنته . وفي سنة 1201 هالموافقة سنة 1786 م أراد « آقا محمد خان » السير إلى « كردستان » لاخضاع وإليها « خسرو خان » إذ كان هذا يحكم مستقلا . وكان إخضاعه جزءا من خطة نوى « آقا محمد خان » على تحقيقها . وهي توحيد نواحي إيران وجمعها على حكم مركزي واحد على نحو ما كان عليه وضعها أيام الصفويين وأيام « نادر شاه » . ولكن وصله قبل مسيره خبر من « بروجرد » ، بوقوع فتنة فيها . فعدل عن السير إلى « كردستان » وعزم على السير إلى « بروجرد » من طريق أصفهان . وكان معلوما عند كل جنده أن غيبته ستطول في هذا السفر . وفي الليلة التي عزم « آقا محمد خان » على السير في صباحها إلى أصفهان دعا إليه قائدا مشهورا من قواده يعرف باسم « المجنون الفازوكي » . ( 1 ) وساله : أتذكر أني يوم شفعت عندي لعلي خان أفشار عفوت عنه فلم أعاقبه ونصبته قائدا لفوج خمسة ؟ فأجاب « المجنون الفازوكي » : نعم ، أذكر ذلك . فقال « آقا محمد خان » : إن علي خان أفشار ، إذ علم أن غيبتي عن طهران في هذا السفر ستطول ، فقد حدثته نفسه بمعاودة التمرد . ثم أراه رسالة وقال : هذه الرسالة تثبت ما أقول . وكان « آقا محمد خان » قد أمر في السر البريدي الرسمي أن يدفع إليه بكل رسالة يبعث بها « علي خان أفشار » معه . فيقرؤها قبل نقلها إلى من أرسلت إليه ، لعل فيها حديث خيانة . وقد وقع ما كان يحذر منه . فان « علي خان أفشار » بعث بهذه الرسالة إلى أحد أمراء « خمسة » ليبلغ مضمونها أيضا إلى سائر الأمراء ، وهو دعوتهم إلى اغتنام فرصة غياب « آقا محمد خان » في هذه الحملة والقيام بهجوم على طهران واحتلالها وخلع الشاه القاجاري . وبلغت الغفلة ب « علي خان أفشار » إلى أن أرسل رسالته مع البريدي الرسمي ولم يحتط لنفسه فيرسلها مع رسول خاص من رجاله . وفي اليوم التالي أمر « آقا محمد خان » باعتقال « علي خان أفشار » وإعمائه . فاعتقل وأعمي . ثم سار « آقا محمد خان » إلى أصفهان ومنها إلى « بروجرد » . وبعد عودته منها سار قاصدا همذان سنة 1201 هليمضي منها إلى كردستان فيضمها إلى مجال ملكه . ولكن « خسرو خان » والي كردستان تدارك أمره ، إذ عرف أنه عاجز عن المقاومة ، فبعث برسالة إلى « آقا محمد خان » قبل أن يغادر همذان ، أعلن فيها بولائه لشاه إيران ، وأنه حاضر لتحويل مال الضرائب التي من كردستان إليه في همذان ، ويلتمس منه قبول ابنه في خدمته . ثم أرسل ابنه إلى همذان يحمل إلى « آقا محمد خان » مال الضرائب عن سنة أو سنتين ، واعتذر بالمرض عن الحضور بنفسه إلى همذان ، فقبل « آقا محمد خان » عذره وأقره على عمله وبعث إليه بخلعه ، وأدخل ابنه في خدمته . وذكر مؤرخو العهد القاجاري أن أحد أبناء « خسرو خان » قتل في سنة 1203 ه‍ . وهو يقوم بقمع قبيلة كردية كانت تغير على الناس بالسلب والقتل . وكان مقتله صدمة لأبيه ضعضعت حواسه وقواه العقلية . وظل على هذه الحال حتى مات في سنة [ 1306 ] 1206 هفنصب « آقا محمد خان » ابنا آخر له اسمه « أمان الله خان » واليا على كردستان خلفا لأبيه . الترياق دواء الكوليرا وعاد « آقا محمد خان » من همذان إلى طهران في نفس تلك السنة ، سنة 1201 هومع وصوله إليها وقع فيها وباء « الكوليرا » . وكان أطباء ذلك الزمان يداوون هذا الوباء بابتلاع الترياق ( الأفيون ) . فأشار طبيب « آقا محمد خان » عليه بالمواظبة على ابتلاع شيء من الترياق لوقاية نفسه من الوباء . فرفض « آقا محمد خان » أن يفعل . وقال للطبيب إن وقاني الترياق من الوباء فسيوقعني في شر آخر هو الإدمان وما يترتب عليه من ضعف القوى النفسية والعقلية والجسمانية وإطالة النوم والخمول . ثم غادر طهران إلى « فيروزكوه » يقيم فيها ريثما ينقطع الوباء عن طهران . وظل مقيما هناك إلى أن حل فصل الشتاء وبرد الهواء وانقطع المرض ، فعاد إلى طهران ، وفي كل بيت منها ماتم وعلى كل وجه سيما الغم والحزن .

--> ( 1 ) هو رجل من أهل « فازوك » ، وهي ناحية تقع في شمال طهران . وهو الذي أقامه « آقا محمد خان » على حصار طهران ، وفتحها يوم كان « آقا محمد خان » يحاصر مدينة « قم » ، كما مر . ثم عينه حاكما على طهران . وهو الذي قمع فتنة « علي خان أفشار » في « خمسة » وشفع له عند « آقا محمد خان » ، كما مر أيضا . وسبب تسميته بالمجنون هو أنه عشق في شبابه صبية من « فازوك » وتدله في حبها حتى هجر أهله ودياره وهام في الصحراء ، وحده عدة سنوات ، على نحو ما يروى من فعل مجنون ليلى العامري . ولذلك دعي بالمجنون تشبيها بقيس العامري ، وظل هذا الاسم ملازما له . وكان أميا لا يقرأ ولا يكتب . ولكنه كان على درجة عالية من الفطانة والشجاعة والمعرفة بفنون الحرب . وكان شديد الإخلاص ل « آقا محمد خان » .